أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
86
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله : وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ جملة حالية ، وفي موضع آخر : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ « 1 » لأنّ ما بلغك فقد بلغته . وقيل : لأنّ الحوادث تطلب الإنسان . وقيل : هو من المقلوب كقوله : 1270 - مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت * نجران أو بلّغت سوءاتهم هجر « 2 » ولا حاجة إليه . وقدّم في هذه السورة حال نفسه ، وأخّر حال امرأته ، وفي مريم « 3 » عكس ، فقيل : صدر الآيات في مريم مطابق لهذا التركيب لأنّه قدّم وهن عظمه واشتعال شيبه وخيفة مواليه من ورائه ، وقال : وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فلمّا أعاد ذكرهما في استفهام آخر ذكر الكبر ليوافق « عتيّا رؤوس الآي ، وهو باب مقصود في الفصاحة ، والعطف بالواو لا يقتضي ترتيبا زمانيا ، فلذلك لم يبال بتقديم ولا تأخير . والغلام : الفتيّ السنّ من الناس وهو الذي . . . شاربه ، وإطلاقه على الطفل وعلى الكهل مجاز ، أمّا الطفل فللتفاؤل بما يؤول إليه ، وأمّا الكهل فباعتبار ما كان عليه . قالت ليلى الأخيلية : 1271 - شفاها من الدّاء العضال الّذي بها * غلام إذا هزّ القناة شفاها « 4 » وقال بعضهم : ما دام الولد في بطن أمه سمّي « جنينا » . قال تعالى : وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ « 5 » ، سمّي بذلك لاجتنانه في الرّحم ، فإذا ولد سمّي « صبيا » فإذا فطم سمّي « غلاما » إلى سبع سنين ، ثم سمّي يافعا إلى أن يبلغ عشر سنين ، ثم يطلق عليه « حزوّر » إلى خمس عشرة ، ثم يصير « قمدّا » إلى خمس وعشرين سنة ، ثم « عنطنطا » إلى ثلاثين قال : 1272 - وبالجعد حتّى صار جعدا عنطنطا * إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه « 6 » ثم « حملا » إلى أربعين ثم « كهلا » إلى خمسين ، ثم « شيخا » إلى ثمانين ثم « زاعم » بعد ذلك . واشتقاق الغلام من الغلمة والاغتلام ، وهو طلب النكاح ، لمّا كان مسبّبا عنه أخذ منه لفظه ، ويقال : « اغتلم الفحل » أي : اشتدّت شهوته إلى طلب النكاح ، واغتلم البحر أي : هاج وتلاطت أمواجه مستعار منه ، وقياسه في القلة أغلمة ، وفي الكثرة : غلمان ، وقد جمع على غلمة شذوذا ، وهل هذه الصيغة جمع تكسير أم اسم جمع ؟ قال الفراء : « يقال غلام بيّن الغلومة والغلوميّة والغلاميّة » قال : « والعرب تجعل مصدر كلّ اسم ليس له فعل معروف على هذا المثال ، فيقولون : عبد بيّن العبودة والعبوديّة والعباديّة » يعني لم تتكلم العرب من هذا بفعل . والكبر : مصدر كبر يكبر كبرا أي : طعن في السن ، قال : 1273 - صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا * إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم « 7 » قوله : وَامْرَأَتِي عاقِرٌ جملة حالية : إمّا من الياء في « لِي » فتتعدّد الحال عند من يراه ، وإمّا من الياء في « بَلَغَنِيَ » .
--> ( 1 ) سورة مريم ، آية ( 8 ) . ( 2 ) البيت للأخطل انظر ديوانه ( للكميت ) ، المحتسب 2 / 118 ، الهمع 1 / 165 ، الأشموني 2 / 71 ، ابن الشجري 1 / 367 ، الدرر 1 / 144 . ( 3 ) آية ( 8 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) سورة النجم ، آية ( 32 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) تقدم .